الأسبوع العربيالتكنولوجيا الحديثةالذكاء الاصطناعيمقالاتمنوعات

الذكاء الاصطناعي .. مستهلك خفي للطاقة

الذكاء الاصطناعي .. مستهلك خفي للطاقة

دينا أسامة تكتب.. هل الذكاء الاصطناعي صديق للبيئة أم مستهلك خفي للطاقة؟

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية مستقبلية، بل أصبح جزءًا أساسيًا من تفاصيل الحياة اليومية، بداية من محركات البحث والتطبيقات الذكية، وصولًا إلى التحليلات الاقتصادية والأنظمة الطبية والصناعية المعقدة. ومع هذا التوسع المتسارع، بدأ العالم يطرح سؤالًا مهمًا: هل يمثل الذكاء الاصطناعي أداة لإنقاذ البيئة، أم أنه يتحول تدريجيًا إلى مستهلك خفي للطاقة يضيف أعباء جديدة على المناخ؟

فبينما ينظر إلى التكنولوجيا عادة باعتبارها وسيلة لتحسين الكفاءة وتقليل الهدر، تشير تقارير حديثة إلى أن الثورة الرقمية نفسها أصبحت تستهلك كميات هائلة من الكهرباء والموارد، خاصة مع التوسع الكبير في تشغيل مراكز البيانات وتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي العملاقة، ووفقًا لتقارير International Energy Agency (IEA) فإن استهلاك مراكز البيانات للكهرباء عالميًا بلغ نحو 415 تيراواط/ساعة في عام 2024، مع توقعات بتضاعفه تقريبًا بحلول عام 2030 نتيجة التوسع في تطبيقات الذكاء الاصطناعى.

الذكاء الاصطناعي.. عقل رقمي يحتاج إلى طاقة هائلة
يعتمد الذكاء الاصطناعي في جوهره على معالجة كميات ضخمة من البيانات عبر خوادم ومراكز بيانات عملاقة تعمل على مدار الساعة. وكل عملية بحث، أو تحليل، أو توليد نصوص وصور، تمر عبر بنية تحتية رقمية تستهلك الكهرباء بصورة مستمرة.
وتعد مراكز البيانات القلب الحقيقي للاقتصاد الرقمي الحديث، حيث تضم آلاف الخوادم التي تحتاج إلى (طاقة تشغيل عاليةـ أنظمة تبريد مستمرة ـ بنية شبكية ضخمة ـحماية وصيانة دائمة).
ومع ازدياد الاعتماد العالمي على الذكاء الاصطناعي، ارتفع الطلب على الطاقة بشكل لافت، خاصة أن تدريب النماذج الذكية المتقدمة يتطلب قدرات حوسبة هائلة قد تستغرق أسابيع أو أشهر من التشغيل المتواصل.

الذكاء الاصطناعي له بصمة كربونية حقيقية ناتجة عن استهلاك الطاقة والانبعاثات المرتبطة بإنتاج الكهرباء.
فكلما زاد حجم البيانات، وتعقدت النماذج المستخدمة، ارتفع استهلاك الطاقة، وبالتالي ارتفعت الانبعاثات الكربونية الناتجة بصورة غير مباشرة.
وتشير دراسة بحثية صادرة من University of Massachusetts Amherst إلى أن تدريب بعض نماذج الذكاء الاصطناعي الضخمة قد ينتج انبعاثات كربونية مرتفعة، تعادل في بعض الحالات الانبعاثات الناتجة عن عدة سيارات طوال دورة حياتها التشغيلية، نتيجة الاستهلاك المكثف للطاقة داخل مراكز البيانات وأنظمة الحوسبة العملاقة.
(المرجع :MIT Technology Review )
ولا يقتصر الأمر على التدريب فقط، بل يمتد إلى الاستخدام اليومي المتكرر من ملايين المستخدمين حول العالم، وهو ما يضاعف الضغط على البنية التحتية الرقمية والطاقة العالمية.

في الماضي ارتبط التلوث البيئي بالمصانع والمدخنة السوداء، أما اليوم فقد أصبحت مراكز البيانات تمثل شكل جديد من الاستهلاك الصناعي للطاقة، وإن كان بصورة أقل وضوحا للمستخدم العادي.
وتستهلك مراكز البيانات كميات ضخمة من الكهرباء ليس فقط لتشغيل الخوادم وأنظمة المعالجة، بل أيضا لتبريدها والحفاظ على درجات حرارة مناسبة تمنع ارتفاع حرارة الأجهزة الناتجة عن عمليات التشغيل المكثفة. وتشير تقديرات International Energy Agency إلى أن أنظمة التبريد قد تستهلك ما بين 7% إلى أكثر من 30% من إجمالي استهلاك الكهرباء داخل مراكز البيانات، وفقًا لكفاءة المركز ونوع البنية التحتية المستخدمة.
(المرجع: International Energy Agency (IEA))
ومع التوسع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، يتوقع الخبراء أن يرتفع الطلب العالمي على الكهرباء بشكل كبير خلال السنوات القادمة، مما يطرح تحديات حقيقية تتعلق بالاستدامة البيئية.

رغم هذه المخاوف، لا يمكن النظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره تهديدًا بيئيًا مطلقًا، لأن التكنولوجيا نفسها قد تكون جزءًا مهمًا من الحل.
فالذكاء الاصطناعي أصبح يستخدم حاليا في (تحسين كفاءة استهلاك الطاقة ـ التنبؤ بالكوارث المناخية ـ تطوير المدن الذكية ـ تقليل الفاقد الصناعي ـ تحسين إدارة المياه والزراعة ـ مراقبة الانبعاثات الكربونية ـ دعم التحول نحو الطاقة المتجددة).
كما تساعد الأنظمة الذكية الشركات على تقليل الهدر في الإنتاج والنقل وسلاسل الإمداد، وهو ما يسهم فعليا في خفض الانبعاثات.

وبذلك يظهر أن التكنولوجيا قد تستهلك طاقة كبيرة، لكنها في الوقت نفسه تمتلك القدرة على تحسين كفاءة استخدام الموارد عالميًا.

يمثل الذكاء الاصطناعي مفارقة بيئية حديثة؛ فبينما يساهم في تطوير حلول تدعم الاستدامة وكفاءة ادارة استخدام الموارد، فإنه في المقابل يعتمد على بنية رقمية ومراكز بيانات تستهلك كميات متزايدة من الطاقة، مما يجعله أداة قد تدعم المناخ أو تضغط عليه في الوقت نفسه.

ولهذا فإن التأثير الحقيقي للتكنولوجيا على البيئة لا يتوقف فقط على وجود الذكاء الاصطناعي، بل على الطريقة التي يتم بها تشغيله وإدارته.

وترى الكاتبة أن مستقبل الذكاء الاصطناعي البيئي سيتحدد وفق مصدر الطاقة الذي تعتمد عليه البنية الرقمية؛ فإذا اتجهت مراكز البيانات إلى الطاقة النظيفة والمتجددة، يمكن تقليل جزء كبير من البصمة الكربونية الرقمية، أما استمرار الاعتماد على الوقود الأحفوري فقد يحول الثورة الرقمية إلى عبء بيئي إضافي.

وبدأت شركات تكنولوجية كبرى مثل Google وMicrosoft وAmazon تدرك هذه الإشكالية، ولذلك تتجه حاليا إلى بناء مراكز بيانات أكثر كفاءة، والتوسع في استخدام الطاقة المتجددة، وتطوير أنظمة تبريد أقل استهلاكًا للطاقة، إلى جانب تحسين كفاءة النماذج الذكية وتقليل الموارد الحاسوبية المطلوبة لتشغيلها.
كما ظهرت مفاهيم جديدة مثل: الذكاء الاصطناعي الأخضر، الحوسبة المستدامة، البنية الرقمية منخفضة الانبعاثات.
وهي اتجاهات تهدف إلى تحقيق توازن بين التطور التكنولوجي والحفاظ على البيئة.

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد قضية تقنية، بل أصبح قضية اقتصادية وبيئية ترتبط بصورة مباشرة بمستقبل الطاقة والمناخ والتنمية المستدامة. فالتوسع السريع في التقنيات الذكية يفرض على العالم ضرورة تحقيق توازن بين الاستفادة من القدرات الهائلة للتكنولوجيا وبين الحد من آثارها البيئية المتزايدة. ومن هنا، ترى الكاتبة أن مستقبل الثورة الرقمية لن يتوقف فقط على سرعة التطور التقني، بل أيضًا على قدرة العالم على توجيه هذا التطور نحو مسار أكثر وعيًا واستدامة، بحيث تصبح التكنولوجيا أداة لدعم الكوكب لا عبئًا إضافيًا عليه.

المراجع :
IPCC Reports
United Nations Sustainable Development Goals
IFRS Sustainability Disclosure Standards
GHG Protocol Standards
International Energy Agency (IEA) – Energy and AI
International Energy Agency (IEA) – Energy Demand from AI
MIT Technology Review
University of Massachusetts Amherst

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى